شكيب أرسلان
377
الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )
ولقد تمكّن السلطان من إيصال الخط من دمشق إلى المدينة المنورة ، وسارت عليه القطر ، التي لم يكن في كلّ أوربة إذ ذاك قطر أجلّ منها ، وكان المسافر يقطع ما بين دمشق والمدينة أي زهاء ألف وأربعمئة وخمسين كيلو مترا في ليلتين ، ولولا مصادفة خلع السلطان أيام العمل بهذا الخط لكان أكمله إلى مكة وإلى الطائف وسار به حتى صنعاء . فمن واجبات الأمة العربية السعيّ في إكمال مشروع السلطان عبد الحميد هذا ، فقد كان السلطان ووزراؤه يرونه ضروريا للوحدة العثمانية ، وكان ذلك حقا ، ولكن العثمانية قد ذهبت ، وذهبت وحدتها ، وانطوى بساطها ، وأما العربية فلن تذهب ، ووحدتها لا تزال نشيد آمال العرب ، وإنّ من أركان هذه الوحدة وأعمدتها الكبرى هذا الخط الحديدي ، الذي لا يقف الإنكليز والفرنسيس في وجه استئناف إتصاله بالشام وفلسطين إلا خوفا من يقظة هذه الوحدة . ثم إنّ الدولة العثمانية كانت قد شيدت في الطائف ثكنة عسكرية من أعظم ثكن الجند في العالم ، طولها ثلاثمئة متر ، وعرضها يقرب من ذلك ، وأمامها سهل منبسط مستو كحد الحصان ، لا يجتازه الماشي من باب القشلة إلى آخره في أقل من عشرين دقيقة ، وقد جعلت في جانب من هذه الثكنة العظيمة مستشفى متقنا ، وفي وسط ميدان الثكنة الفسيح قصرا لاجتماع أمراء الجيش ، وجميع هذه الأبنية لا تزال ماثلة ، لا ينبغي لها إلا بعض ترميمات غير ذات بال . ولقد علمت من حديث دار بيني وبين سمو الأمير المهذب الكامل فيصل بن عبد العزيز - ثاني أنجال جلالة الملك ، ونائب جلالته في الحجاز - أنّ ترميم المستشفى وإعادته كما كان من الأمور المقررة ، وكذلك ترميم القصر الذي في وسط الميدان ، بحيث يجلس فيه الملك عندما يجيء إلى الطائف ، وأنّهم ينوون نقل جميع دوائر الحكومة في